|
الغنطو درة العاصي
كعروس ليلة عرسها.. يحضنها العاصي متشبثا بخصرها العاجي...يلفها إليه.. بلطف... بوداعة... كما لو كانت عشيقته الأبدية التي لا يبغي سواها.. ولا عنها حولا.... تدخل تلك القرية.. تدخل إلى قرية الغنطو... بعد منعطف يخرجك خارج الزمن.. لتدخل عبر مدخلها الواسع... فكأنها أم رئوم .. تقول لكل داخل إليها... تعالي لحضني يا ولدي الحبيب تعال أضمك لصدري... اشبعك من حناني .. تعالي أسمعني أخبارك ورواياتك ... تشعر بالرحابة والضيافة والمحبة عبر هذا الطريق العريض وعند بداية القرية.. تنتصب شجرة سرو شامخة .. لا أحد أبدا يعرف عمرها.. فكما لو أنها زرعت عند بدء الخليقة... لتقول.. كان الإنسان دوما هنا يزرع ويعيش ليالي الحصاد على نغمات السواقي وألحان حفيف الأشجار... وتتطاول حولك المآذن الثلاث التي تصنع مثلث الأبدية... ضلع للتاريخ .. وآخر للحاضر .. وثالث للمستقبل.... فتصنع الديانة حياة من تفاصيل صغيرة.... تجوب بين الشوارع وتتلقّى التحيات ... ترى الجارة العجوز جالسة على باب دارها.. تجمع نسوان القرية حولها .. تأخذ أخبارهم وتعطيم أخبار الآخرين.... تحكي إحدى النساء الظريفات نكتة ما.. تعلو ضحكات نساء القرية في أرجاء الشارع.. وتملأ أذنك موسيقا أصيلة بعيدة عن ضوضاء العالم المعاصر... تخرج من بين الشوارع وتغادر المارة الكرام ... لتدخل في بساتين القرية.. وطرقها الترابية... وساقيتها التي لوثتها الحضارة الغاشمة.. يحكي لك عجوز عن قصة الساقية... - إنها ساقية رومانية..... - يقول آخر لا إنها فرنسية.... يتجادلان.. لا غلبة لأحد غير الساقية فهما سيموتان قريبا أما خرير الساقية فسيستمر ولا بدّ يأتي جيلٌ يوما ما ويعيدها كما كانت ... عذبةً فرات. تقلّب نظرك بين هذه الخضرة وذاك الجمال.. تسرح في الفردوس الموعود وتتساءل هل بعد هذا الفردوس .. فردوس يا ترى؟؟؟ تنحني صفصافات القرية على الطريق الترابية... تعانق الحورة أختها الحورة.. وتشمخ شجرة تين في الجوار بثمارها اليانعة...يحلّق حولك ألف عصفور دوريّ ألفان.. مئة ألف لا أحد يعلم...
آه يا عصافير الدوري ... كم قصة حب لك في هذه البساتين ..؟؟؟ كم تزاوجت وغردت وهاجرت..؟؟وعدت لتنجبي هنا.....؟؟ في هذا الفردوس السعيد.... يبتل قلبك برائحة التراب... وتنتعش روحك .. برؤية هذه البكارة.. والعذرية المدهشة.... تغادر تلك القرية وفي قلبك ألف ذكرى عابقة... وشوق لجوج لقياها من جديد.....
إلى كل عاشق للغنطو.... يتمناها أن تصير أجمل.....
إحسان رابعة 20/11/2009
|